Monday, February 25, 2019

أحد مشاهد الدمار الذي خلفه الصراع في سوريا

في البداية، تُعرف الحضارة بأنها مجتمع يعتمد على الزراعة كأحد مصادر الدخل، ويضم مدنا عدة، وله نفوذ عسكري في المنطقة الجغرافية التي يقع فيها، ويقوم على بنية سياسية راسخة. ووفقا لهذا التعريف، فإن جميع الإمبراطوريات تعد حضارات، وليس العكس.
أما الانهيار، فمن علاماته تراجع سريع ومتواصل في عدد السكان، وفقدان الهوية، وتداعي ركائز الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية. ثم تتدهور الخدمات العامة، وتسود الاضطرابات مع تفشي أعمال العنف والاشتباكات في البلاد.
وهذا المصير واجهته جميع الحضارات السابقة. لكن بعضها نهض من جديد أو تغيرت ملامحه، مثل الحضارتان الصينية والمصرية، والبعض الآخر اندثر، مثل حضارة جزيرة إيستر. وقد سقطت بعض الحضارات لكن عواصمها انتعشت واستعادت وهجها مجددا، مثل روما. وفي حالات أخرى، لا يبقى من الحضارة سوى أطلال تشهد على تاريخها، مثل حضارة المايا.
إذن، هل يمكن أن تنبئ مصائر هذه الحضارات السابقة بما ستؤول إليه مجتمعاتنا الحديثة؟ وهل تصلح الدروس المستقاة منها للتطبيق على النظم الرأسمالية الصناعية التي حلت محل الإمبراطوريات الزراعية بعد القرن الثامن عشر؟
تفيد نظرية "الحوادث المتوقعة" بأن الإخفاق جزء لا يتجزأ من المجتمعات المتطورة والمعقدة. فقد يكون الانهيار مرحلة طبيعية تمر بها الحضارات، مهما اختلف حجمها أو تطورها.
وربما نكون الآن أكثر تطورا من الحضارات السابقة، لكن هذا لا يجعلنا محصنين من المخاطر التي أدت إلى فناء أسلافنا. بل إن التطورات التكنولوجية المتلاحقة تفرض علينا تحديات ومخاطر جديدة غير مسبوقة.
وتشير جميع الأدلة إلى أن المجتمعات الكبرى ليست بمأمن من التفكك. غير أن تداعيات الأزمات الآن، بفضل النظام الاقتصادي العالمي، أصبحت أوسع نطاقا من أي وقت مضى.
واقترح البعض دراسة الاتجاهات التي قادت الأمم السابقة إلى الانهيار، والبحث عن عوامل شبيهة لها في المجتمعات الحديثة.
صحيح أنه لا توجد نظرية مقبولة عن العوامل التي تدفع الحضارات إلى الانهيار، لكن المؤرخين وعلماء الإنسانيات وغيرهم طرحوا بعض التفسيرات، منها:
تغير المناخ: قد يترتب على تغير المناح تداعيات كارثية، مثل نقص المحاصيل الزراعية، والمجاعات، والتصحر. وقد لوحظ أن انهيار حضارات أناسازي وتيواناكو، والإمبراطورية الأكدية وحضارة المايا والإمبراطورية الرومانية، قد تزامن مع تغيرات مناخية مفاجئة تمثلت في موجات جفاف.
التدهور البيئي: عندما يفوق استهلاك المجتمعات للموارد الطبيعية قدرة الأرض على تجديدها فستكون النتيجة تدمير البيئة. وأشار الكثير من الباحثين إلى أن القطع الجائر للأشجار وتلوث المياه وتدهور التربة وفقدان التنوع الحيوي، كلها عوامل تعجل بانهيار الحضارات.
انعدام المساواة وحكم الأقلية: التفاوت في توزيع الثروات والمشاركة السياسية، وكذلك انحصار السلطة في يد قلة من الناس والمركزية في اتخاذ القرارات من أهم العوامل التي تؤدي إلى انفراط عقد المجتمع وتمزقه، وفوق ذلك، تعوق قدرة أفراده على الاستجابة للمشكلات البيئية والاجتماعية والاقتصادية.
وتشير دراسات إحصائية عن مجتمعات سابقة إلى أن العنف السياسي رديف التزايد السكاني وانعدام المساواة. وكلما زاد عدد السكان، فاق المعروض من العمالة معدل الطلب عليها، وتراجعت أجور العمال وبالتالي ازداد الأثرياء ثراء والفقراء فقرا. وهذا التفاوت في توزيع الثروات يؤدي إلى تفكك المجتمع وظهور الاضطرابات السياسية.
تعقيد المجتمع: يرى المؤرخ والخبير جوزيف تينتر أن المجتمعات تنهار تحت وطأة التعقيد والتشابك والبيروقراطية. فالمجتمعات تزداد تعقيدا وتشعبا كلما واجهت مشكلات جديدة. لكن مردود التطور والتعقيد يقل تدريجيا ويقود البلاد إلى الانهيار.
ويقاس تعقيد المجتمعات بمعيار عائد الطاقة المستثمرة، وهي النسبة بين حجم الطاقة المنتجة من الموارد الطبيعية والطاقة المطلوبة لاستخراجها. ولاحظ العالم السياسي توماس هومر ديكسون أن التدهور البيئي في الإمبراطورية الرومانية أدى إلى تراجع عائد الطاقة المستثمرة ومن ثم سقوط الإمبراطورية.
صدمات خارجية: ويقصد بها الحروب والكوراث الطبيعية والمجاعات والأوبئة. إذ دمر الغزاة الإسبان إمبراطورية الآزتيك. وقد زالت أغلب الحضارات التي كانت تعتمد على الزراعة بسبب أوبئة فتاكة. وأحيانا تتعاقب الكوارث على الدولة وتؤدي إلى نهايتها.
الحظ العاثر: تشير تحليلات إحصائية إلى أن بعض الإمبراطوريات انهارت بشكل عشوائي. وقد يرجع ذلك إلى كثرة الحروب والصراعات التي خاضتها من أجل البقاء.
كل هذه العوامل قد تسهم فرادى أو مجتمعة في انهيار الحضارات وزوالها، عندما يعجز المجتمع عن مواجهة الضغوط المتزايدة.
وإذا بحثنا عن هذه المؤشرات في المجتمعات الحديثة، فقد نتمكن من تقييم فرص بقائها أو زوالها.
إذ تشير الأدلة التاريخية إلى أنه كلما تفاقم التغير المناخي وازدادت المجتمعات تعقدا وتشعبا واتسع التفاوت الطبقي وازداد التدهور البيئي، زادت احتمالات الانهيار. وكل هذه العوامل تتفاقم في الوقت الراهن.
إذ أن الفجوة بين الفقراء والأثرياء آخذة في الاتساع. فقد وصل نصيب الأثرياء، الذين يمثلون واحدا في المئة من إجمالي سكان العالم، إلى 20 في المئة من إجمالي الدخل العالمي، وزاد نصيبهم من ثروات العالم من 25 في المئة في الثمانينيات من القرن الماضي إلى 40 في المئة في عام 2016، هذا بخلاف الأموال التي يهربها الأثرياء إلى الملاذات الضريبية.
وتشير دراسات إلى أن مردود إنتاج الوقود الأحفوري ينخفض انخفاضا مطردا، بسبب نضوب بعض الحقول الغنية بالنفط والغاز. ومع الأسف فإن الطاقة المتولدة من مصادر الطاقة المتجددة البديلة للوقود الأحفوري أقل من الطاقة المستثمرة لاستخراجها أو تعادلها.
وقد أشارت دراسات إلى أن تراجع عائد الطاقة المستثمرة قد يؤثر على النمو الاقتصادي لبعض المجتمعات، ما لم تتطور طرق استخراج الطاقة المتجددة لتصبح أقل كلفة.
قد تتمكن المجتمعات نفسها من منع الانهيار أو تأخيره، وهذا يتوقف على قدرتها على التأقلم مع التغيرات والاستجابة لها بكفاءة. إذ تشير المؤشرات الاقتصادية، على سبيل المثال، إلى أن روافد الاقتصادات العالمية أصبحت أكثر تنوعا. فإن الدول التي تنوع مصادر دخلها على سبيل المثال، ولا تعتمد على الصادرات الزراعية فحسب، سيكون اقتصادها أقل تأثرا بتبعات التدهور البيئي أو بفقدان شركاء تجاريين. فضلا عن أنه كلما زادت مهارة السكان وكفاءتهم زادت قدرتهم على التعامل مع الأزمات وقت حدوثها.
وبالمثل، زادت الابتكارات في السنوات الأخيرة، وذلك من حيث عدد الطلبات المقدمة لتسجيل براءات الاختراع. ونظريا، تقل احتمالات انهيار المجتمعات إذا وظفت ابتكارات جديدة لتخفيف حدة الضغوط الملقاة على عاتقها، مثل التغير المناخي.

Friday, February 8, 2019

لماذا تعمّر النساء أكثر من الرجال؟

تتمتع النساء، حول العالم بأسره، بمتوسط أعمار يزيد على متوسط أعمار الرجال.
وكان متوسط العمر المتوقع عند الولادة لسُكان العالم هو 72 عاما في 2016 بحسب منظمة الصحة العالمية.
لكن عند توزيع هذا المتوسط بحسب النوع، حصلت النساء على 74 عاما وشهرين، بينما حصل الرجال على 69 عاما وثمانية أشهر.
وبحسب إحصاء عام 2010 في الولايات المتحدة، فقد تخطى 53,364 شخصا حاجز المئة عام. كان بينهم 9,162 فقط من الرجال مقابل 44,202 من النساء.
لماذا إذن يزيد متوسط أعمار النساء على الرجال؟ وما الذي يعطيهن ذلك التفوق؟
يضم مؤشر الوفيات في الوقت الراهن معلومات عن 40 دولة، بينها السويد وفرنسا منذ عام 1751 و1816. لكن المعلومات عن دول مثل اليابان وروسيا لم تتوفر إلا منذ أواسط القرن العشرين.
وأظهرت قاعدة البيانات لكل عام في كافة الدول أن متوسط الأعمار المتوقعة للنساء تتجاوز الرجال.
ويبدو أن الرجال منذ البداية مستهدَفون بسبب تركيبتهم الجينية.
يقول البروفيسور، ديفيد جيمز، من جامعة رويال كوليدج في لندن: "تموت الأجنة الذكور بمعدلات أعلى من الأجنة الإناث".
أحد الأسباب المحتملة يمكن أن يعود إلى الدور الذي تلعبه الكروموسومات المحددِّة للنوع.
ويوجد عند النساء كروموسوما XX بينما يوجد عند الرجال  ، وهذه الكروموسومات تحتوي على جينات.
وتحتوي الكروموسومات من نوع X على الكثير من الجينات المساعِدة على البقاء على قيد الحياة.
ويقول دافيد جيمس لبي بي سي: "إذا كنت تعانين خللاً جينيا في كروموسوم X فإنك كامرأة لديك رديفا احتياطيا، بخلاف الرجال فليس لديهم هذا الرديف".
وتقول لورنا هاريس، الأستاذة بجامعة إكسيتر، "تتعرض الأجنة الذكور إلى الوفاة أكثر بنسبة تتراوح بين 20 إلى 30 في المئة في أواخر فترة الحمل. كما أنها أكثر عرضة للولادة قبل أوانها بنسبة 14 في المئة، ويكون المواليد الذكور، في الغالب، أكبر حجما، ما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بجروح أثناء الولادة".
وفي عالم الطيور، لدى الذكور نسختان من كروموسومات X وتعيش فترة أطول من الإناث.
في فترة المراهقة، ينتقل الفتيان والفتيات إلى مرحلة البلوغ تبعا لتغيرات هرمونية.
هرمون التستوستيرون، الذي يجعل الجسم أكبر وأقوى، مسؤول عن معظم صفات الذكورة - كعمق الصوت ونمو شعر الصدر.
وترتفع معدلات الوفيات بين الذكور أثناء ارتفاع نسبة هرمون التستوستيرون، والذي يحدث في أواخر مرحلة المراهقة.
ويقول خبراء إن ذلك يمكن أن يُعزى إلى انغماس الرجال في أنشطة مرتفعة المخاطر كالاقتتال وقيادة الدراجات والسيارات بسرعات فائقة، فضلا عن الانتحار.
وقبل أعوام قليلة، حلل الباحث الكوري هان-نام بارك تفاصيل سِجلات البلاط الإمبراطوري لأسرة تشوسون الملكية في كوريا في القرن التاسع عشر.
وفحص الباحث تفاصيل سِجلات 81 من "الخصيان"، أي الذين جرى استئصال خصياتهم قبل سن البلوغ.
وخلُص إلى أن الخصيان عاشوا نحو 70 عاما مقابل متوسط 50 عاما فقط للرجال الآخرين في البلاط.
حتى أن ثلاثة من هؤلاء الخصيان احتلفوا بعيد ميلادهم المئة.
ورغم أن دراسات أخرى لأنواع أخرى من الخصيان لم تظهر مثل هذه الفروق الواضحة، إلا أنه يبدو بشكل عام أن البشر (والحيوانات) منزوعي الخصيتين يعيشون عمرًا أطول.
ويُنظر إلى هرمون الاستروجين المسؤول عن الرغبة الجنسية لدى الإناث كـ "مضاد للأكسدة"، بمعنى أنه يتصدى للكيماويات السامة المسببة لإجهاد الخلايا.
وخلصت تجارب على الحيوانات، إلى أن، وبعكس حالة الذكور، الإناث اللواتي يعانون نقصًا في هرمون الاستروجين يعمرن أقل من اللواتي ليست لديهن نفس المشكلة.
وقدّم باحثون في إسبانيا دراسة بحثية عام 2005 كرّست لارتباط هرمون الاستروجين بالجينات المصاحبة لطول الأعمار، بما فيها تلك الجينات المتعلقة بالإنزيمات المضادة للأكسدة.
ويُسهّل الاستروجين كذلك عملية التخلص من الكوليسترول الضار وبالتالي يوفر شيئا من الحماية ضد أمراض القلب.
في الأماكن الموبوءة بالصراع، يقصُر متوسط أعمار الذكور.
لكن في المناطق التي تقل فيها الرعاية الصحية، تموت بعض النسوة أثناء الولادة.
وثمة عوامل كالتدخين وتناول الكحول والإفراط في الطعام قد تفسّر جزئيا سبب اختلاف حجم الفجوة بين أعمار الجنسين من بلد إلى آخر.
ويبدو أن الرجال الروس، على سبيل المثال، يعيشون لفنرة أقل بنحو 13 عاما، ويعود ذلك جزئيا إلى الإفراط في تناول الكحول.
لكن هذا التفوق للمرأة ليس كاملاً؛ فعلى الرغم من أن النساء يعشن عُمرًا أطول، إلا أنهن يعانين أمراضًا أكثر من الرجال، ولا سيما في أعمار متقدمة.
وتميل النساء بين 16 إلى 60 عاما إلى زيارة الأطباء أكثر من الرجال في نفس الفئة العمرية في مختلف الدول.
ويقول ستيفن إن أوستاد وكاثلين إي فيشر من جامعة ألاباما في تقرير نشرته دورية سيل بريس المتخصصة في الطب الحيوي: "في المجتمعات الغربية، تزور النساء الأطباء أكثر وتتناولن عقاقير أكثر وتتغيبن عن العمل أكثر وتقضين أياما في المستشفيات أكثر من الرجال وذلك لأسباب صحية".
ورصد الباحثان ارتفاعًا في مواجهة النساء لمصاعب جسدية في مراحل عمرية متقدمة أكثر من الرجال في بلدان: بنغلاديش، الصين، مصر، غواتيمالا، الهند، إندونيسيا، جامايكا، ماليزيا، المكسيك، الفلبين، تايلند، وتونس.